عبد الوهاب الشعراني
251
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
[ الحث على إعطاء جميع الحقوق التي علينا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نعطي جميع الحقوق التي علينا للخلق في هذه الدار ونتحللهم منها قبل يوم القيامة ، وذلك لكون الدنيا أوسع من الآخرة لاجتماع الحقوق علينا هناك وكثرة الطالبين لنا ، ولا هكذا الدنيا إنما يطالبنا فيها بعض أناس . سمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : لا يكمل حال الفقير إلا إن أعطى جميع الحقوق التي عليه قبل المطالبة ، ومتى أحوج صاحب الحق إلى وقوف عند حاكم فقد خرج من طريق الفقراء إلى طريق العوام والظلمة سواء أكان ذلك الحق لزوجة أو جار أو أجير أو فقراء يستحقون زكاته ونحو ذلك ، وهذا العهد لا يصح العمل به إلّا لمن سلك الطريق وخرج عن محبة الدنيا وشهد مواقف القيامة ، وما يقع فيها من مناقشات الحساب حتى لا يفوت صاحب الحق مثقال ذرة من حقه ، ومن لم يسلك الطريق فمن لازمه محبة الدنيا والوقوف مع أربابها للحكام كما هو واقع لغالب فقراء هذا العصر فضلا عن غيرهم . وقد رأيت بعيني شخصا من فقراء العصر تولى نظرا على وقف له فيه معلوم النظر نصف وعثماني كل شهر ، اشتكاه شخص من المستحقين وقال له : أنت أكلت معلومنا ، والمسؤول منك إما أن تعطينا حقنا ، وإما أن نسامحك فيما مضى وتنزل عن النظر فأبى ورضي بوقوفه عند الحكام ، فأخذه بعض المستحقين ومسكه من كمه ودخل هو وإياه بيت قاضي العسكر فبهدله غاية البهدلة على شأن نصف وعثماني كل شهر ، مع أن تجارة هذا الشيخ كما حكى عنه أصحابه نحو عشرة آلاف ونصف ، فإذا كان هذا حال المشايخ في هذا الزمان فكيف حال غيرهم ، وما رأيت هذا الحال قط في أحد من الأشياخ الذين أدركناهم ، فلم نر أحدا منهم قط واقفا عند حاكم يدعي عليه نحو زوجة أو جار أو صاحب أو أجير بل كانوا يعطون الحق الذي عليهم قبل السؤال . فاسلك يا أخي طريقهم إن أردت أن ينفع اللّه بك المسلمين في إرشادهم والشفاعة فيهم عند الحكام وغيرهم ، فإن من شرط الشيخ أن يكون محفوظ الظاهر مهابا في العيون وتأمن الظالم أو المريد لو جاء لزيارة الشيخ فوجده مربوطا برسل الحكام يدعون عليه ويخرجونه كيف يهون في عين الظالم أو المريد فلا يقبل ذلك الظالم بعد ذلك له شفاعة ولا ينتفع به ذلك المريد ، فشرط الشيخ أن يكون وارثا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في كونه يحكم في غيره ولا يحكم أحد عليه ، فاعلم ذلك واللّه يتولى هداك . وقد روى البخاري وابن ماجة وغيرهما مرفوعا قال : « قال اللّه تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ، ومن كنت خصمه خصمته : رجل أعطى بي ثمّ غدر ، ورجل باع حرّا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره » . وروى ابن ماجة مرفوعا : « أعطوا الأجير أجرته قبل أن يجفّ عرقه » . وهو وإن كان